التونسي الحائر بين الهوى والغرام

التونسي الحائر بين الهوى والغرام
(ك)
في أغانيه المكتوبة لأم كلثوم، تلك التي لحنها الشيخ زكريا أحمد في أربعينات القرن الماضي، يبدو بيرم دائمًا في صورة ذلك العاشق المحروم الذي يتمنى أن يحب لا لشيء إلا لمجرد الحب المجرد، يريد أن تحن عليه الحياة فجأة فتنعم عليه بحب يصير درعه ضد سهام الهوى اللحظي الذي يتشعلق بكل جميل، الهوى الذي يهوي به طوال الوقت إلى  أراضِ حلبات صراع العشق.
ما مدى تماهي تلك الشخصية المتجلية عبر أغانيه في تلك الفترة مع شخصه الحقيقي؟ ذلك كله خارج الموضوع فبيرم قد نجح تمامًا في خلق شخصية روائية محبة تقف خلف هذه الكلمات بحيث توقن ولابُد إنها هي هي شخص الشاعر الحقيقي.
(ل)
كانت كتابة بيرم لأم كلثوم نقطة تحول في تاريخ مسيرتها، تحول أدى لخطفها بعيدًا عن مدرسة الأفندي (القصبجي)، وقرينه نزيل المكاتب (رامي)، وعودتها لمدرسة الشيخ (زكريا أحمد)، وقرينه درويش الشوارع (بيرم التونسي)، لتستقر بعد ذلك على مدرسة الأفندي المستشيخ (السنباطي) -وما عبد الوهاب الآتي فيما بعد إلا أفندي يهرب من الشيخ بداخله -، نقطة تحول أدت لتراجع ألحان القصبجي لها وتوقفها لاحقًا. بلغت تلك المرحلة ذروتها في فِلم سلامة، الذي سيطر على ألحانه الثنائي بيرم – زكريا ما عدا قصيدة واحدة هي قالوا أحب القس لحنها السنباطي المبكر الحائر بين أستاذه الأفندي وعمه الشيخ فجاء اللحن من نفس مزاج وسلطنة الشيخ زكريا.
(أ)
لكن الحديث هنا ليس عن الست هذه المرة، الحكي عن هذا البيرم الدرويش الذي جاءت عودته من المنفى لكتابة الأغاني لتصيب هدفًا في مرمى قلوب مجتمع يتحول ويتغير ويتبدل ويعاني قلقًا وجوديًا ما بين حرب عالمية دائرة على حدوده الغربية وحكم عسكري من محتل أحمر الوجه والبيريه وغلاء شديد وسوق سوداء.
حظنا السيء لم ينجد لنا تسجيلات أغانٍ من هذا التعاون، وأعني أنا وإنت وكل الأحبة اتنين اتنين واكتب لي كتير، فسيطرت أغانٍ أُخَر لا تقل جمالًا، أنا في انتظارك تلك الطقطوقة التي قلبنا فيها بيرم على جمر النار في انتظار حبيبٍ لا يأتي أبدًا، والآهات التي جرعنا بيرم حزنها جرعة جرعة حتى ثملنا، “آه من لقاك في أول يوم” ذلك الهوى المرعب الذي يلسع مثل الكهربا ويجعل القلب يفط كالملدوغ من عقربة، الهوى الذي لا يكتمل فيجلب آه بعد آه تلضمها في خيط الآهات آه، والبكائية الحزينة الأولة في الغرام التي ودع فيها القلب وحيده، وحبيبي يسعد أوقاته التي يستغنى فيها بيرم
عن ذكر الهوى فتكون فرحة مرحة تدعو لمليك القلب بدوام العمر والبهاء، ودرة العقد أهل الهوى، التي تتحول فيها الأغنية كما عهدناها إلى تأمل حول أهل الهوى، حين يناديهم الهوى فيفوتوا مضاجعهم، وهي من التجارب التي لا تصف المحبوب بل تصف حالة الهوى ذاتها

أهل الهوى.jpg

والأمل، تلك الكرباج الطربي الذي لا يتوقف عن جلد قلبك طوال استماعك لها، التي يبلغ فيها بيرم درجة من رجاء الحبيب لم يبلغها أحد غيره
يا شبيه البدر وحده في ارتفاع برجه وسعده
يشبهك هو في جمالك وإنت في نوره وبعده
ما التقيتش إليك وسيلة غير سكوتي وانتظارك
وأعمل إيه ما بإيدي حيلة في انكساري واقتدارك
ورغم إن بيرم لم يشتهر بشعر الفصحى، لكن هذا التقابل ما بين الانكسار (وزن انفعل) والاقتدار (وزن افتعل) لا يخرج سوى من شاعر خبر حسن جمال صيغ الفعل العربية جيدًا حتى طبعته -مع ملاحظة اللغة الفلكية لدى بيرم في وصف البرج والطالع والسعد-، الأمل الذي يبقى في قلب الهاوي للهوى نفسه ويستجديه ليأتي فلا يأتي.
ويختم بيرم المرحلة، مرحلة صياغة وإعلان واكتمال شخصية العاشق المُبتلى ببلوى الهوى، بالحلم، القصيدة المكملة لشخصية الهاوي الذي يستجدي فيجد سعيه لا يجدي فيستغرق في الحلم بأن يأتيه الحبيب
بقى يقول لي وأنا أقول له
وخلصنا الكلام كله
يقول لي قلبي
بيودك
أقـــول لــه
قلبي أنا أكتر
يقول لي قد
إيه حبّك
أقـــول له
فوق ما تتصور
وأقول له
خايف لتنساني
يقول لي
مستحيل أقدر
بقى يقول لي
وأنا أقول له وخلصنا الكلام كله
وبعد دا كله يستيقظ العاشق المُبتلى، الذي يسأل الحضن فلا يجده، ويسأل الوطن فيلفظه، يصحو الحالم على قسوة
الحياة نفسها
لقيته منام
وحلم وراح مع الأحلام
ياريته دام
ودام نـــومي كدا اعوام
وأنا وهو فى
دي النشوة
نعيش فى
ســــــلام ولو فى منام
(ح)
هل هي سنوات المنفى والجوع التي حكى عنها في مذكراته؟ هل هن نساء مرسيليا اللاتي حكي عن أردافهن الرجراجة في مذكرات منفاه؟
ذلك كله خارج الموضوع، فحتى المذكرات هي شخصية مُعلنة، يعلنها الكاتب عبر وسيط الكتابة سلاحه الأساس في التعبير عن ذاته المتجلية، حتى تلك السير الذاتية والتي يستغرق فيها التحليل الأدبي كثيرًا فيضيع الأصل وهو تحليل المُبتدَع الأدبي والذات المتجلية من خلاله بدلًا من البحث العكسي عن تبريرات في سيرة الكاتب الشخصية تبرركتابته.
لنا بيرم الذي صور نفسه كعاشق مُبتلى ببلوى الهوى، مفردة الهوى تحتل مكانة مركزية في مشروع بيرم-زكريا، الهوى بكل معانيه الشعبية المباشرة، “الهوى ما جاش سوا” “ما جاتش على هواه”، أو بمعانيه الفصيحة، كل معاني الهوى المحتملة هي حيرة بيرم، وخاصة طرفي حركة البندول ما بين الهوى اللحظي الفار كقطرة خمر  وبين الهوى المقيم كنغم عود عتيق، ما بين النظرة والغرام تقع بلواه القلبية وأزمة وجود وجوده نفسه، “أصل الغرام نظرة” كما يقول الدور الشهير، لكن العاشق المبتلى تلسعه النظرة وتتركه في نصف الطريق فلا هو طال عرق عنب النزوة اللحظية ولا هو طال عرق بلح الغرام، ذلك العذاب المقيم، إن عذابها كان غرامًا لكنه من أهل الحيرة، أهل الأعراف في العشق وقوفٌ ما بين لحظية النظرة واستقرار الغرام.
حيرة شد القوس ووقوفه في المنتصف قبل استرخائه واستقراره هي حيرة بيرم تلك الفترة، وهي مركزية مشروع بيرم-زكريا.
(ب)
يظل مفتاح السر وحل اللغز في تلك الطقطوقة البسيطة المفقود تسجيلها بصوت الآنسة أم كلثوم، كل الأحبة اتنين اتنين التي لحنها من مقام رصين وشجي وفلسفي في نفس الوقت، مقام قماشته عريضة بحسب تعبير أهل الصنعة، هو الرصد (المستقيم بالفارسية)، والتي كتبها بيرم بمبنى غريب، فهي حوار ذاتي (مونولوغ) لكن صيغ في قالب الطقطوقة التي تحكي قصة وصفية، مبناها الفني من غصون حولها بيرم إلى مشاهد وتنتهي بمذهب -تسليم- حوله بيرم إلى سؤال يعيده لبداية رحلة المشاهد، وكل عاشق مُبتلى بعشق العشق نفسه لابُد له من سياحة البحث عن الحبيب، رحلة الحبيب في البحث عن حبه التي تشبه رحلة البحث عن الإله (الحب الأعظم) عند إبراهيم النبي.
فيلقى البدر
يطلع عليا البدر جميل يا بدر مالي أنا ومالك
ماليش يا بدر نديم وخليل أوريه ويوريني جمالك
نورك يا بدر يزيد وتبقى ليلة عيد
ليلة ما تطلع على قلبين اتنين اتنين
ثم يعود للسؤال “وإنت يا قلبي حبيبك فين” فيستمر البحث.
ويلقى الورد
أفوت على
الورد الفتان ولونه يفرح كل حزين
يا ورد تهدى
للخلان وأهديك أنا يا ورد لمين
يا مفرح
الأحباب بلونك الجذاب
الفرحة تطلع
على قلبين اتنين اتنين
ويعود للبحث.
ويلقى البحر
على البحور
الناس في نعيم وأسرح أنا لوحدي وأهيم
يسري النسيم
ساحر فتان يداعب الموج الشفاف
أنظر واتحسر
من حسن دا المنظر
وأقول يا
ريتنا كنا اتنين
ثم يتوجه بيرم، مثلما توجه إبراهيم النبي من قبله، لقلبه ملجأه الأخير
يا قلبي دا
حظك خليك فريد وحدك
اصبر على
كاسك واشرب على قدك
ييجي الهنا
في غمضة عين والمر يحلا ليه في كاسين
ويترك السؤال معلقًا.
(ة)
تلك الطقطوقة البسيطة هي مفتاح اللغز الذي استمر طول المشروع، بيرم-زكريا، هذا الكائن المثنى جسدًا الموحد قلبًا،
فهي تسري منسابة كسريان الماء رغم كل ذلك التأمل، تحرر فيها الشيخ من الاستعراض النغمي، وهي على بساطتها تترك حرية للمطرب ليُطرب، وخاصة حين يداعب الموج اللحن ويعيد ويزيد.
لكن لسوء حظنا لم يحفظ لنا التاريخ تسجيلًا من حفلات أم كلثوم للأغنية، من سوء حظنا، وربما من حسن حظ حيرة العاشق المبتلى، لم ينج لنا تسجيل من حروب حذف الشرائط الإذاعية ونسف الذاكرة، ليبقَ السؤال معلقًا “وإنت يا قلبي حبيبك فين”، حتى وإن اقترب بيرم من حسمه قبل وفاته بعد تجاوزه هذه المرحلة، “واللي هويته اليوم دايم وصاله دوم”، حتى وإن حاول حله فالثابت إن السؤال لم يحسم لدى بيرم المرحلة الثنائية، وظل الكائن المتجلي بيرم-زكريا عاكفًا ما بين ناسوتية الهوى العابر وسرمدية الغرام المقيم، ظل كذلك لأن هذا الكائن الثنائي لا يموت فهو يتجلى على قلب كل عاشق مُبتلى يتناول نبيذ أي أغنية من تلك الفترة، يحل فيه فيصير هو هو ويغني معه دون حسم الأمر والحيرة، أهي حلاوة اللحظة أم ديمومة البقاء؟!
 
مصر الجديدة
5 يناير 2016
(الذكرى الخامسة والخمسون لرحيل بيرم التونسي)
*تم التنسيق باستخدام الخطالأميري.
* كل الأحبة اتنين اتنين بصوت وداد سليمان https://www.youtube.com/watch?v=fMyDPqcnqoQ.

 

Advertisements

About yasirabdullah

مدون منذ عام 2005، وكاتب له رواية واحدة هي (حكايات الصولي) (2008) ومترجم، نشر في دوريات ومواقع مختلفة منها جريدة البديل المصرية (الإصدار الأول) وجريدة العرب اليوم الأردنية وموقع قديتا وموقع قاب قوسين وموقع معازف.
هذا المنشور نشر في طرب مصري, طرب المشايخ وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to التونسي الحائر بين الهوى والغرام

  1. رامي حمودة كتب:

    مقال تحليلي جميل…..يحتاج للقراءة مرارا وتكرارا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s